المقابلة
ما الذي ألهمك لاختيار مسيرة مهنية في التصميم؟
لم يكن اختياري لمسيرة في التصميم قرارًا عقلانيًا قطّ، بل كان شيئًا فطريًا، يكاد يكون حتميًا. نشأت محاطًا بعبق الياسمين في الأشرفية، وبطبقات عمارة بيروت، والشعر المختبئ في أطلالها. وكانت الأشياء والمواد والفضاءات تحمل لي المشاعر دائمًا؛ فهي أكثر من أشياء وظيفية، إنها ذكريات، وشذرات حكايات، وشواهد صامتة. كما تشكّلت شخصيتي بفعل عالم الخياطة الراقية؛ فقد كان جدّاي لأبي خيّاطَين للرجال والنساء، وكان مشغلهما عالمي الأول من الألوان والأقمشة والملامس والدقة. نشأت ألمس الحرير والصوف والبروكار، وأتعلّم كيف يمكن للمادة أن تنسدل، وتعبّر، وتُغري، وتحمي. وامتدّ هذا الحسّ بالملمس بشكل طبيعي إلى الفضاءات من حولي. فبيتنا، ببلاطه الموزاييكي الملوّن ونقوشه، أيقظ افتتاني بالعمارة الداخلية والزخرفة والحوار بين البنية والزينة. وقادني هذا المزيج من الحرفة والمادة والذاكرة العاطفية إلى دراسة العمارة الداخلية وتصميم الزخرفة، وهما مجالان أتاحا لي دمج الحدس بالتقنية. ومن هناك، بدت الخطوة نحو ابتكار القطع عضوية. فأصبح تصميم الأثاث والقطع القابلة للاقتناء وسيلة لتوحيد كل ما شكّلني: الإرث الحرفي الذي شهدته، والقوة العاطفية للمواد، والطبيعة السردية للفضاءات. وفي النهاية، لم أختر التصميم، بل تكشّف من كل ما ومن شكّلني، وأصبح الامتداد الطبيعي لذكرياتي وجذوري وفطرتي في تحويل المشاعر إلى أشكال ملموسة وخالدة.
ما فلسفتك في التصميم، أو نهجك في إيجاد الحلول الإبداعية؟
تتجذّر أعمالنا في التصميم القابل للاقتناء والتعبير النحتي أكثر من حلّ المشكلات. وتقوم فلسفتنا على تكريم الحرفة، والاعتزاز بالمادة، وصون الأيدي والخبرات الكامنة وراء كل قطعة. نصمّم لنحتفي بالحرفية، ونُبرز القوة العاطفية للمواد، ونبتكر قطعًا تحمل حكايات لا وظائف فحسب. فـ"الحل" بالنسبة إلينا هو دائمًا احترام الحرفة والأيدي التي تشكّلها، والارتقاء بالمادة، وترك القطعة تجسّد جمال المهارة الإنسانية والذاكرة الثقافية.
كيف تحافظ على إلهامك وتواصل تطوير ممارستك الإبداعية؟
تتكشّف ممارستي بشكل طبيعي على مسارين متوازيين، وهذه الثنائية هي ما يُبقيني مُلهَمًا. فالأول متجذّر بعمق في بيروت بوصفها مُلهمة، بحنينها وأطلالها وهشاشتها وصمودها؛ إذ تغذّيني المدينة باستمرار بذكريات وملامس وروائح وحكايات أترجمها إلى قطع نحتية مفعمة بالعاطفة. أما المسار الآخر فأكثر استفزازًا، يستكشف المحرّمات في المنطقة، ويسائل الأعراف الاجتماعية، ويُخرج إلى النور موضوعات كثيرًا ما يُسكت عنها. ويُبقي هذا التباين بين الحميمية والاستفزاز أعمالي حيّة ومتطوّرة وصادقة. والتنقّل بين هذين العالمين، الشعري والجريء، يتيح لممارستي أن تنمو إبداعيًا. ويدفعني هذا التباين إلى البقاء قريبًا من الحرفيين، والتجريب المستمر بالمواد، وملاحظة العالم بحساسية، ومواصلة تعلّم حرف جديدة جزءًا من تطوّري. وتتشابك مصادر إلهامي بشكل طبيعي مع هذه العملية، مستقاةً من الحياة اليومية والطبيعة والناس والثقافة، ومن الجرأة على استكشاف موضوعات ليست مريحة دائمًا، لكنها حقيقية دائمًا.
ما أبرز التحديات التي تواجه المصممين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا اليوم؟
من أبرز التحديات التي تواجه المصممين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا غياب الاستثمار الحقيقي والدعم المؤسسي. فكثيرون منّا يتحمّلون العبء المالي الكامل لصنع النماذج الأولية والإنتاج وعرض الأعمال، في ظلّ قلة المنح والرعاة والبرامج طويلة الأمد التي تدعم ممارسة آخذة في النمو. ومن التحديات الأخرى إيقاع رزنامة التصميم العالمية. فرغم أن تزايد معارض التصميم وفعالياته في المنطقة أمر إيجابي يمنح حضورًا، فإنه يولّد أيضًا ضغطًا هائلًا؛ إذ لم يعد للمجموعات الوقت لتتنفّس وتنضج وتنتقل بشكل طبيعي. ويُتوقّع من المصممين أن ينتجوا باستمرار، وأن يدفعوا أحيانًا تكاليف الشحن والعرض، وأن ينتقلوا من فعالية إلى أخرى كل شهر تقريبًا. ويصبح هذا الإيقاع مُقيِّدًا لأنه يُقصي كثيرًا من المصممين المستقلين، فليس الجميع قادرًا على مجاراة هذه الدورة المُرهِقة، وتواجه أصوات قيّمة خطر البقاء بعيدًا عن الأنظار. وبين محدودية التمويل، وضغط الإنتاج السريع، وغياب أنظمة دعم منظّمة، كثيرًا ما يكافح المصممون لحماية نزاهة أعمالهم. ومع ذلك، يكشف هذا أيضًا عن صمود المجتمع الإبداعي في المنطقة وتفانيه، ومصمّميه الذين يواصلون الابتكار رغم التحديات، مدفوعين بالشغف والحرفة والهوية الثقافية.