نقش كولكتيف، التي تأسّست عام 2009 في عمّان بالأردن، استوديو فني وتصميمي متعدد التخصصات أسّسته الشقيقتان نسرين ونرمين أبو ديل. ويستكشف الاستوديو، الذي يتخذ من عمّان مقرًّا له، النسيجَ الغني للتراث الثقافي العربي بعدسة معاصرة. ويعكس اسم "نقش" الفلسفة الجوهرية للمجموعة: نقش الذاكرة والهوية والتقاليد في أشكال فنية خالدة. ومن خلال المزج بين تقنيات الحرف التقليدية والحسّ التصميمي الحديث، تخلق "نقش" حوارًا بين الممارسات العريقة والجماليات التقليلية. وتصل أعمالها الفروق الشعرية الدقيقة في فنون الشرق الأوسط وعمارته وتراثه الشفهي بتصميم معاصر راقٍ، لتُثمر أعمالًا نحتية رقيقة ومتجذّرة بعمق في السرد الثقافي. وكل قطعة تكوينٌ يجمع دقة الصنع اليدوي والتشطيب بآلات تُدار يدويًا، ويجسّد لغة بصرية جديدة تتحدّث عن الذاكرة والمكان والانتماء. ومن خلال المادة والشكل، تغدو إبداعاتهما أوعية للسرد، تعيد تفسير زخارف المنطقة بطرق حديثة وذات معنى. وقد عُرضت أعمال "نقش" في مؤسسات وطنية ودولية بارزة، منها متحف فيكتوريا وألبرت (لندن)، ومركز جميل للفنون (دبي)، ودار النمر للفن والثقافة (بيروت)، ومتحف الشارقة للحضارة الإسلامية، ومراكز ثقافية في القدس ورام الله وعمّان. ووصل الاستوديو إلى القائمة النهائية لجائزة جميل الخامسة المرموقة التي يمنحها متحف فيكتوريا وألبرت، تقديرًا لإسهاماته في الفن والتصميم الإسلامي المعاصر. كما شاركت المجموعة في منصات عالمية رائدة للتصميم والفن، مثل "التصميم العربي الآن"، المعرض الرئيسي للدورة الافتتاحية لبينالي دوحة التصميم 2024، وأسبوع ميلانو للتصميم، وفن أبوظبي، وأسبوع دبي للتصميم، وأسبوع عمّان للتصميم، ومعارض في متحف الشارقة للفنون الإسلامية. ولا تزال أعمالها تسهم في تشكيل النقاشات حول صون الثقافة، والحداثة، والهوية المتطوّرة للتصميم العربي على الساحة الدولية.

نقش كولكتيف (Naqsh Collective)
استوديو لتصميم الحِرف والأثاث | دبي - عمّان

Naqsh collective. Image courtesy of the Designer
المقابلة
ما الذي ألهمك لاختيار مسيرة مهنية في التصميم؟
لم يكن ذلك خيارًا مهنيًا محسوبًا بقدر ما كان رحلة حدسية خضناها كشقيقتين. فبوصفنا حفيدات نساء حملن لغة التطريز الفلسطيني الغنية وأبدعنها، نشأنا محاطتين بالنقوش والحكايات والرموز التي عاشت بشكل طبيعي في حياتنا اليومية. وقد عرّفتنا حرفية والدتنا الفطرية ومصنع الخشب الذي كان يملكه والدنا مبكرًا على المعرفة بالمواد: كيف تُبنى الأشياء وتُنحت وتُجمَّع وتُحترم. وقد شكّل هذا الإرث الثقافي العميق، إلى جانب الألفة العملية مع المواد، مسارنا بشكل عضوي. فلم تولد "نقش" قرارًا، بل امتدادًا، يترجم التراث الذي نشأنا عليه إلى ممارسة تصميمية معاصرة.
كيف يؤثّر سياقك الثقافي أو الإقليمي في أعمالك التصميمية؟
لطالما تشكّلت ممارستنا بفعل محيطنا، ثقافيًا وسياسيًا وماديًا. فالنشأة في منطقة متراكبة بالتاريخ والزخرفة والشعر والحرفة تعني أن التصميم لم يكن يومًا مفهومًا مجرّدًا بالنسبة إلينا، بل كان شيئًا نعيشه. بدأنا العمل بالأنماط الهندسية الإسلامية والشعر العربي من خلال الطباعة على الحرير وأعمالنا الفنية الأولى، متأثرتين بعمق باللغة البصرية والأدبية التي أحاطت بنا. لكن خلال الربيع العربي، تغيّر شيء ما. شعرنا بحاجة ملحّة إلى تقديم إسهام شخصي، وتجاوز الجماليات للتعبير عن سرديتنا الخاصة عبر الفن والحرفة. فأصبح السرد محوريًا. وأدركنا أن التراث لا يُصان بالتكرار، بل بإعادة التفسير. وقادنا ذلك إلى النظر إلى الداخل، إلى تقاليد التطريز في جذورنا الفلسطينية، إلى أيدي النساء اللواتي سبقننا، واللغة المشفّرة الكامنة في نقوشهن. وما بدأ استكشافًا أصبح بحثًا معمّقًا وتجريبًا في المواد، وفي النهاية إعادة تعريف لممارستنا. وأصبحت "نقش كولكتيف" الوعاء الذي نترجم من خلاله الذاكرة إلى مادة، فنحوّل التطريز إلى حجر، والشعر إلى نقش، والهوية إلى شكل خالد. فسياقنا الإقليمي لم يؤثّر فينا فحسب، بل دفعنا إلى الاستجابة، والصون، وتطوير السرديات التي ورثناها، لتواصل الحياة والكلام بعدنا.
ما فلسفتك في التصميم، أو نهجك في إيجاد الحلول الإبداعية؟
التصميم بالنسبة إلينا فعل صون وتطوّر. فكل قطعة تبدأ ببحث في الرموز والطقوس والسرديات الموروثة، ثم تمرّ بعملية دقيقة من النقش والتطعيم والنحت والتجميع. ومن خلال هذا الحوار بين اليد والآلة والمادة، نستكشف موضوعات الوحدة ("وحدة")، والشتات، وطقوس العرس ("جهازِك يا شمس")، والجغرافيا، والانتماء. وتقف "نقش" عند ملتقى الحرفة والضخامة النُّصُبية. فنحن لا نستنسخ التقاليد، بل نترجمها. ومن خلال نقل التطريز من القماش إلى الحجر، ومن الثوب إلى القطعة المعمارية، نؤكّد أن الذاكرة الثقافية ليست هشّة، بل هي أساس متين. وأعمالنا حميمة ومعمارية في آنٍ معًا، شخصية وجماعية، بوصفها فعلًا مستمرًا لصون التراث مع رسم مستقبله المعاصر..
حدّثنا عن المشروع الذي تفخر به أكثر من غيره، ولماذا يحمل أهمية خاصة بالنسبة إليك.
من المشاريع ذات المعنى الخاص عمل المزاول الشمسية التركيبي "وحدة وشتات". فعلى امتداد حقل في الأردن، تتوزّع أكثر من 180 مزولة شمسية فريدة تقيس الوقت بمؤشّرات من النحاس المصقول تُلقي ظلالها على قواعد من الحجر الجيري. وعلى خلاف المزاول التقليدية، تتّجه جميعها نحو الشمال، ولكل مجموعة منها زاوية مختلفة، في استحضار لتشتّت الفلسطينيين في أنحاء العالم عام 1948. وتتشظّى القواعد الجيرية وتتآكل عند نقلها، تمامًا كتجارب من أُجبروا على مغادرة أرضهم. وفي هذا العمل، ترجمنا غرزة التطريز الفلسطيني المصلّبة، التي تُطرَّز تقليديًا على أقمشة ليّنة، إلى مؤشّرات منحوتة يدويًا ومطعّمة وملوّنة. ويحمل كل مؤشّر نقشة فريدة، مثل "طريق الشام" أو "طريق مصر"، مع عناصر مضافة تشير إلى طرق التهجير والمنفى. وتعكس هذه المزاول وعيًا عميقًا بالزمن في الشتات؛ فكل فلسطيني يعيش بعيدًا عن أرضه يعدّ سنوات تهجيره، وفي الوقت ذاته يحلم الجميع بالعودة. وتسعى المزاول المتعددة إلى مزامنة الفلسطينيين روحيًا عبر القارات، من أمريكا الجنوبية إلى أفريقيا، لتعيد وصلهم بوطنهم رغم المسافات أو الفجوات بين الأجيال.

