تجمّع تصميمي مقرّه بيروت، يستلهم الحكايات وينسج السرديات لبناء مجتمع قائم على قيم الاستدامة والإبداع والحرية. وتتمثّل بصمة "بقجة" في جمالية التجميع، إذ تجمع قصاصات نسيجية من زمانٍ ومكانٍ ما، وتضعها في ترتيبات غير مألوفة لتنقل رسالة موحّدة. وتحافظ كل قطعة على سلامتها وهي تُوصل وتُطبَّق طبقةً فوق أخرى، لتندمج في النهاية وتتجاور مع غيرها. ومن خلال تجاور الأسطح المتباينة تتضاعف أهمية كل عنصر، فتولد لغة بصرية غنية وغير متوقعة. و"البقجة" كلمة متداولة في المنطقة تعني "الصُّرّة"، أي قطعة القماش التي يُلفّ بها جهاز العروس. وهي تقليد عائلي، إذ تحمل البقجة التقليدية دائمًا تطريزًا يدويًا من أيدي نساء مختلفات من العائلة. ويضمّ فريق "بقجة" حرفيين ومصممين موهوبين من أكثر من 10 دول، يمثّلون طيفًا متنوعًا من ممارسات النسيج في المنطقة العربية. ويسعى هذا المختبر النسيجي، الذي يجمعه هدف فريد، إلى صون تقليد حرفي محلي من خلال إعادة تعريفه بصوت معاصر.

بقجة للتصميم
استوديو لتصميم المنسوجات والحِرف | بيروت

Bokja Design. Image courtesy of the Designer
المقابلة
ما الذي ألهمك لاختيار مسيرة مهنية في التصميم؟
تأسّست "بقجة" عام 2000 على يد هدى بارودي وماريا هبري، وُلدت من شغف هذا الثنائي النسائي المشترك بالأثاث والمنسوجات والفن والتصميم. فبينما أمضت هدى حياتها في جمع الأقمشة من طريق الحرير، تتمتّع ماريا بخبرة في قطع الأثاث العتيقة ذات الجمال الكامن. وقد جمعت الاثنتان خبرتهما ومعرفتهما بالحرف التقليدية، وأطلقتا "بقجة" بإعادة تنجيد أثاث عتيق من متاجر التحف وأسواق المستعمل بأقمشة نفيسة من المنطقة. ومنذ انطلاقتها، تطوّرت "بقجة" لتصبح استوديو تصميم متعدد المستويات، يروي حكاية الثقافات المتعايشة في بيروت عبر جمالية التجميع الشهيرة، لتفرض نفسها علامةً مبتكرة تكسر المألوف، وتهدم الحواجز، وتنسج الروابط الإنسانية.
كيف يؤثّر سياقك الثقافي أو الإقليمي في أعمالك التصميمية؟
تأسّست "بقجة" عام 2000 على يد هدى بارودي وماريا هبري، وُلدت من شغف هذا الثنائي النسائي المشترك بالأثاث والمنسوجات والفن والتصميم. فبينما أمضت هدى حياتها في جمع الأقمشة من طريق الحرير، تتمتّع ماريا بخبرة في قطع الأثاث العتيقة ذات الجمال الكامن. وقد جمعت الاثنتان خبرتهما ومعرفتهما بالحرف التقليدية، وأطلقتا "بقجة" بإعادة تنجيد أثاث عتيق من متاجر التحف وأسواق المستعمل بأقمشة نفيسة من المنطقة. ومنذ انطلاقتها، تطوّرت "بقجة" لتصبح استوديو تصميم متعدد المستويات، يروي حكاية الثقافات المتعايشة في بيروت عبر جمالية التجميع الشهيرة، لتفرض نفسها علامةً مبتكرة تكسر المألوف، وتهدم الحواجز، وتنسج الروابط الإنسانية.
ما فلسفتك في التصميم، أو نهجك في إيجاد الحلول الإبداعية؟
"بقجة" رسالة تنوّع وتسامح، تتجلّى بأوضح صورها في جمالية التجميع والقضايا الاجتماعية التي تدعمها وتعبّر عنها. وبوصفها منصة "للنشاط الحِرفي"، تسعى "بقجة" إلى المشاركة الفاعلة في النقاشات المتعلقة بالوعي البيئي والظلم الاجتماعي، عبر وسيطها المفضّل: النسيج.
حدّثنا عن المشروع الذي تفخر به أكثر من غيره، ولماذا يحمل أهمية خاصة بالنسبة إليك.
مجموعة "الربيع العربي / الخريف العربي"، وهي عمل نسيجي تركيبي من لوحين يتأمّل في الديناميكيات الثقافية والاجتماعية المتحوّلة في العالم العربي. وقد أُنجز العمل استجابةً لانتفاضات الربيع العربي، ويضع سرديتين بصريتين جنبًا إلى جنب: الأولى تصوّر تآكل القيم التقليدية أمام العولمة والنزعة الاستهلاكية، والثانية تقدّم رؤية متفائلة للتجدّد والتحوّل. ومن خلال الخرائط المطرّزة والصور المتراكبة والسرد الرمزي، يقابل العمل بين سلاسل الوجبات السريعة والصيحات المستوردة ومشاهد النهضة، وأبرزها امرأة على صهوة جواد تمضي نحو مستقبل مجهول. ويستكشف العمل موضوعات الفقد والصمود والبحث عن هوية جديدة في مشهد ثقافي سريع التغيّر. وقد اقتناه معهد العالم العربي في باريس عام 2012، ليجسّد نهج "بقجة" في التصميم بوصفه وسيطًا للنقد الاجتماعي والسياسي والسرد العاطفي. ومن خلال المزج بين منسوجات تراثية وأسئلة معاصرة، يقف "الربيع العربي / الخريف العربي" أرشيفًا ملموسًا للذاكرة الجماعية وتطلّعاتها.
مَن أبرز المؤثّرين أو الموجّهين في مسيرتك التصميمية، وكيف أسهموا في تشكيل أعمالك؟
ندين بالكثير لمن سبقونا، وفي المقابل نشعر بمسؤولية أن نورّث شيئًا لمن بعدنا. ولهذا تحمل كل قطعة نصنعها أكثر من قيمة جمالية، إنها تحمل رسالة. وسواء تعلّق الأمر بصون الثقافة، أو بالحرفية، أو ببساطة بأهمية السرد في التصميم، نريد لأعمالنا أن تدعو إلى التأمل والتواصل والعناية.
برأيك، ما الدور الذي يؤدّيه التصميم في تشكيل المجتمعات والثقافة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا؟
تتحدّى أعمالنا الحدود بين الفن والتصميم، إذ نعيد تخيّل المواد المهملة لنقدّم تعليقًا شعريًا على الذاكرة والمكان والهوية. وكنّا من أوائل من جمعوا بين العادي والمعقّد في تجاور واحد، فخلقنا تباينات غنية تعمّق السرد. كما نؤدّي دورًا حيويًا في تحديث التطريز التقليدي، محوّلين إياه من حرفة تراثية إلى وسيط تعبيري يتطلّع إلى المستقبل.
كيف تحافظ على إلهامك وتواصل تطوير ممارستك الإبداعية؟
تتميّز "بقجة" بلمسة وهوية محلية واضحة، إذ تعمل من بيروت، المدينة التي تردّد صدى هذه اللغة المركّبة للتجميع. فالبلد نفسه يقع بين القديم والجديد، وبين الشرق والغرب، ما يطرح على السطح قضايا الهوية وعدم الثبات. وبناءً على ذلك، يكمن خلف ما تصنعه "بقجة" موضوعٌ جوهري هو الهوية: كيف يمكن صنعها وجمعها، وكيف يمكن أن تنتقل وتتكيّف، وكيف يمكن في النهاية مشاركتها والتعبير عنها.
ما أبرز التحديات التي تواجه المصممين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا اليوم؟
العجز عن التخطيط: عشنا خلال حياتنا أحداثًا فرضت على مجتمعنا نوعًا من الصمود، وغيّرت التصوّرات حول ما هو مقبول وما هو غير مقبول. ففي لبنان مثلًا، ولّدت الحروب لدينا إحساسًا بالإلحاح، وكرّست العيش في اللحظة وقدرًا من الإباحة جعل كل شيء ممكنًا بالنسبة إلينا. لقد كسرت الحواجز وغيّرت فهم عامة الناس لأمور كثيرة، مثل الأدوار بين الجنسين. دخلنا هذا المجال بفضول كبير وحسّ جمالي قوي، وكل ما نعرفه اليوم تعلّمناه بالممارسة والتجربة والخطأ. ويسعدنا أن تكون قصتنا مصدر إلهام للآخرين، تساعدهم على إطلاق خيالهم بلا حدود في تصوّر أين وكيف يرون أنفسهم في المستقبل.

